لما تصفحت يوما عندما كنت أجول في اليوتيوب مقاطع صغيرة لسيرجيو بوسكيتس, فُتحت لي آفاقا لا يحس ولا يشعر بها سوى من كان عاشقا للعبة, أما من كان غير ذلك فلا تنتظر منه سوى نظرة وانطباع الاستغراب والدهشة... لو تقول لي أنت برشلوني ولا تكتب غالبا سوى عن البارصا, لقلت لك وما ذنبي إن كنت قد نشأت على رؤية أجمل كرة قدم جماعية شاهدتها عيني ولم تشاهد مثيلتها من قبل, ولكن حتى في خواطري لا أحيد الحياد والموضوعية فالبارصا الحالية لا تزال بعيدة عن السيطرة الكلية على أوروبا مثلما فعلت تلك البارصا, بارصا ميسي وتشافي وإنييستا بشهادة العدو قبل الصديق.
مقطعي سيرجيو بوسكيتس: كان الأول يظهر قيام اللاعب بتفحص زوايا الملعب أو مايسمى في الإنجليزية بـ scan عدة مرات قبل تلقي الكرة, وبعد تلقيه إياها يغير وضعية جسمه أو جسده لليمين ليوهم اللاعب الخصم الذي كان فارضا الضغط عليه أنه سيقوم بعملية في تلك الجهة ولكن يعود لأخذ الكرة مجددا للجهة الأخرى ويرفع قدمه موهما أنه سيمرر ثم لا يفعل ذلك ويعود للجهة الأخرى, في الوقت الذي تاه فيه ذلك اللاعب وهو يتبع في الكرة وينتظر ماذا سيفعل بوسكيتس, هو بالأحرى كان يتحرك وفق الإيهامات التي منحها له سيرجيو في حين أسطورة البارصا داخل عقله لن يفعل ذلك التفكير الأولي والحل الأول المتوقع.
والمقطع التالي يبرز لقطات بالعرض البطيئ لبوسكيتس بقميص ميامي وهو واقف حاملا الكرة لا يرى اللاعب القادم إليه ولكن بمجرد وصول ذلك اللاعب عنده يقوم بوسكيتس بمراوغته من دون رؤيته حتى, وصاحب المقطع وضح أنه عندما تراقب وتكون على وعي بما يجري داخل أرضية الميدان وتمركز وحركات اللاعبين حولك فإنه سيصبح الإجراء الذي ستجريه عندما تصلك الكرة أوتوماتيكي يدخل في اللاوعي, لذا ينصح في الكرة بعدم النظر إلى الكرة بل النظر إلى ما حول الكرة وحول جميع الملعب.
إن هذين المقطعين جعلني أتأمل في المستوى الذي وصل له البعض في رؤيتهم لكرة القدم, وجعلني كذلك أتساءل عن سبب العقم الذي نشاهده عند كثير من اللاعبين ذوي المستوى العالي ويتلقون الأجور الضخمة ولكن يعجزون حتى على إيجاد حل للعب وفك شفرة الدفاع ويكتفون بالحل السهل وبالتمرير لمن يوجد أمامه أو الاضطرار للعودة إلى حارس المرمى.
وقد يفسر شخص هذا بنقص الإبداعية, ولكن كلمة إبداع في كرة القدم قد نختلف فيها, فأنا لا أفسرها كذلك, أنا أفسرها بنقص الجدية! فما قد تظن أنه إبداع هو في الحقيقة ضرورة لازمة يجب أن يقوم بها اللاعبين للفوز بالمباراة, أما الإبداع فهو شيء آخر, الإبداع لا يتأتى سوى لمن يلعبون الكرة بفطرتهم وعفويتهم وسرعة بديهتهم وسرعة البديهة هاهنا ليست في الإجراءات السهلة في كرة القدم بل الإجراءات الصعبة فليس من هب ودب يحسب وقت غير متوقع للقيام بمقصية في المقاس وحتى هذا الشيء لانراه كثيرا نهيك عن متتالية من الحركات الإبداعية الواحدة تلو الأخرى وفي أوقات غير متوقعة, فالحديث هاهنا لم يصل درجة الإبداع بعد, أما الحركية التي نشاهدها في البرميرليغ مثلا فهي التي من المفترض أن نشاهدها في جميع مقابلات العالم, ولكن قد يتبادر إلى الذهن أن الحزم التكتيكي الذي يفرضه المدربون على اللاعبين هو ما يجعلنا نشعر بالملل أثناء المباريات, فاللاعب أصبح مقيدا بتعليمات المدرب ولا يخرج عنها فقط لغرض تحقيق النتيجة, ولكن أنا أقول أن المدرب في حد ذاته مرهون بجودة لاعبيه, وقد يعتبرني البعض متهورا إذا قلت أن المدرب الكفء ليس من يحسن إستغلال طاقة ونقاط قوة لاعبيه, بل المدرب الكفء هو من يحسن التأقلم والتماشي مع متغيرات المباراة ومتغيرات اللعبة, لذا نجد المدرب الذي يحضر معه الورقة والقلم قبل أسبوع من المباراة ومعه طاقم مكون من عدة أفراد للتحضير لتلك المباراة, يصطدم بعوامل غير متوقعة تجعله ينهزم ويسلم المباراة لخصمه, وهذه العوامل ليست إصابة في وسط المقابلة أو طرد لاعب بل عامل الوقوع في الخطأ, وهذه بالذات تكلم عنها مختصين حينما قالوا أن كرة القدم عبارة عن أخطاء واستغلال أخطاء الخصم.
يتهيأ لي أن هناك تواطأ بين الأندية, فمن يريد أن يحقق النتيجة فعلا عليه أن يستعمل جميع أسلحته ويوظفها ويحارب أثناء المباراة لإيجاد السبل وهنا تكمن سر المتعة لأنك كمشاهد ستشاهد معركة لأنه ليس فريقا واحدا فقط من يحارب, بل الفريقين وهنا فعلا يأتي اختبار الجودة وعنصر استغلال أخطاء الآخر الذي يخشاه من يركن للدفاع, فهذا بالذات لا يبحث عن النتيجة بل اعترف بعدم قدرته على المجابهة منذ البداية ورفع الراية البيضاء, وأعلن عن عدم توفر شرف المحاولة واللعب وفق إمكانياته, فمن لا يبحث عن النتيجة هو من يجعلك تشعر بالملل, ويمكن استبدال كلمة تواطأ باتفاق بين ناديين على رفض اللعب, وليس من يركن للدفاع فقط من يرفض اللعب, بل حتى حامل الكرة وصاحب الاستحواذ عليها يرفض القيام بالدور الذي قام به بوسكيتس أو يقوم به بيدري في الأيام الأخيرة أو يقوم به فيتينيا ألا وهو زعزعة الدفاع بتمريرة في العمق, بإيجاد ثغرة لتسديدة قوية, بمراوغة أو ثنائية مع تحركات, ولكن إذا كان الكل يقبع في مركزه ولا يحدث ذلك التقارب بين الخطوط والسعي لتوفير الحلول بأكثر من طريقة سيصبح التسجيل من أصعب الأشياء وبل قد تتعرض لخطأ يمكن الخصم من خطف مرتدة والتسجيل على إثرها والفوز في مقابلة من تسديدة واحدة فقط على المرمى في حين إحصائيا تفوقت بالطول والعرض ولكنك لم تفز!
هذا هو سر كرة القدم: يقولون أن المدافعين درسوا ميسي مرارا وتكرارا لكنهم لم يتمكنوا من إيقافه ولكن سبب ذلك أن ميسي نفسه في تلك اللحظة التي يتلقى فيها الكرة لا يدري ماذا سيفعل بها, وحتى بوسكيتس كذلك, وفي كثير من اللقطات نجد أن ضربة الحظ هي من تأتي بالأهداف, وحتى تلك الانطلاقة نحو المجهول التي قمت بها والتسديدة الساذجة التي سددتها على المدافع لانعدام الحلول وانحصارك, فارتطمت بالمدافع ثم ارتطمت بك وذهبت إلى الأمام متجاوزة المدافع ولكون وضعية جسمك نحو الكرة عكس المدافع الذي سيضطر للدوران إذا أراد الكرة... أنت في ذلك الحين تكمل الركضة لتكون وجها لوجه مع الحارس وتفكر في كيفية وضع الكرة في الشباك دون أن يحزر الحارس الجهة التي ستسدد فيها.
ولكي أختتم هذه الخاطرة, فلو نسقط قضية متغيرات اللعبة على سيرورة الحياة, للحظنا أنها متغيرات أيضا وبتصريح وإقرار علماء الدنيا وهذه هي الطبيعة البشرية, هذا لنعلم أن كرة القدم روح قبل كل شيء وليس علم محض صارم يدرس في الآلة ولا يتغير وحتى الإحصاءات التي تقوم بها الآلة فهي تتغير بتغير مردود اللاعبين, ومع ذلك فإنني متفائل بمستقبل كرة القدم وبدأت ألحظ أن تلك المحدودية في اللعب بدأت تنقص.


0 تعليقات