ضربات الجزاء: هل هي حظ أم علم يُدرس؟

ضربة جزاء
كثيرا ما نسمع عبارة أن ركلات الترجيح هي ركلات حظ، لتأتي أطرافا مناقضة لهذه المقولة وتقول أن ركلات الترجيح أصبحت علما مدروسا تتدخل فيه عدة عوامل، فبين هذا وذاك، هل فعلا للحظ دور في تحديد نتيجة ضربة الجزاء أم أن نجاح هذه الضربات يعتمد على تطبيق استراتيجيات معينة؟

لماذا هي حظ؟

تعد ركلات الجزاء حظا، لأن اللاعب المسدد للركلة يختار جهة يسدد فيها، والحارس بدوره يختار جهة يرتمي إليها، وفي حالة ما إذا توافق قرار اللاعب مع الحارس يمينا أو شمالا فسيتمكن الحارس من التصدي للكرة، وفي بعض الأحيان نجد بعض الحراس يرتمون إلى جهة واحدة فقط في جميع السلسلة، وقد يلحظ اللاعبون هذا ويقررون التسديد دوما في الجهة المعاكسة، ولأن الأمر يعتمد على الحظ قد يغير الحارس نفس الجهة التي يرتمي إليها إلى جهة أخرى في إحدى الركلات، أو قد يسعى اللاعب لأن يحزر ذلك، لهذا لا يمكن إهمال أن للحظ دور في ركلات الجزاء، وفي بعض الأحيان يغير اللاعب قراره في آخر لحظة والحارس كذلك، فنجده قد اتجه إلى اليمين ثم عاد عن قراره واتجه لليسار والعكس صحيح، ويدخل في تغيير القرار هذا محاولة الحارس التأثير على اللاعب أولا بتعابير الوجه أو بالكلام وثانيا بتحريك العارضة الأفقية (أصبح ممنوعا)، وثالثا بتحريك كلتا يديه يمينا وشمالا وتارة يحرك إحدى يديه فقط مشيرا إلى الجهة التي سيرتمي إليها أو قد تكون مجرد تمويه، هنا قد يتغير القرار الذي اتخذه اللاعب ليس فقط مرة بل أكثر من ذلك فتجده قرر التسديد لليمين ثم غير قراره لليسار ثم فضل الوسط، لهذا نقول أنها حظ، لأنه إن سدد في الوسط وضيع سيقول في نفسه متحسرا: "كنت سأسددها في أحد الجهتين"، وحتى ركلة البانينكا ورغم جماليتها إلا أنها مخاطرة عالية تحتاج لبرودة أعصاب، فالهزة النفسية التي تحدث للاعبين والحراس قبل تسديد الركلة لها دور، وفي بعض الأحيان، نحن كجمهور نستطيع أن نعرف هل سيسجل اللاعب تلك الركلة أو سيصدها الحارس فقط من ملامح الوجه، فإن بدى لنا أن اللاعب واثق من نفسه فسينجح في التسجيل، أما إذا رأينا ملامح خوف وقلق وتوتر فسنقول أن الركلة ستضيع، والأمر نفسه ينطبق على الحارس، لهذا تلعب الثقة دورا مهما في نجاح الركلة من عدمها، وقلق اللاعب وخوفه وتوتره من الأسباب الرئيسية لفشل الركلة.

لماذا هي علم؟

في حالة قرار اللاعب بتسديد الركلة عاليا في جهة مقاربة للعارضة، فيمكن للتسديدة أن تطير عاليا جدا خارج الخشبات الثلاث، وكثيرا ما يتكرر ذلك حتى عند أكبر اللاعبين أبرزهم روبرتو باجيو، فتلك الطريقة من التسديد تعد من أصعب الطرق ولكن من أنجعها في نفس الوقت في حالة ما إذا اتجهت الكرة داخل الإطار، لأنه يصعب على الحارس بعد ذلك التصدي لها، وهنا الأمر يعتمد على قليل من التوفيق والحظ وكثير من العلم والتركيز والثقة وحسن التسديد عن طريق التمرين المتكرر، ولكن تختلف التدريبات عن المباراة الرسمية لأن عامل الضغط يتدخل كذلك، فقد نجد لاعبا ما تحكم في تسديد ركلات الجزاء أثناء التدريبات ولكنه يضيع في المباراة الرسمية، ولقد شهدنا من قبل أكبر اللاعبين يضيعون ركلات الجزاء أبرزهم ليونيل ميسي في أكثر من مرة، وتعد ركلة الجزاء علما لأنه حتى لو ارتمى الحارس لجهة الكرة يمكن لقوة التسديدة أن تمنعه من التصدي لها، ويمكن لذهاب الكرة لأقصى الطرف أن تمنع الحارس من التصدي حتى لو ارتمى إلى نفس جهتها، وهذه طريقة من أصعب الطرق كذلك لأن الكرة قد ترتطم بالعارضة أو تخرج إلى الخارج إن لم تكن التسديدة محكمة بإتقان، ومن بين الأسباب التي تدعنا نقول أن ركلات الجزاء أصبحت علم هي الطريقة الجديدة في تسديد هذه الركلات، وهي ضغط اللاعب على أحد رجليه عند قيامه بخطوات التسديد، ففي أثناء تلك الضغطة يلاحظ اللاعب إلى أين سيتجه الحارس ثم يسدد في الجهة المعاكسة، وقد لا تنطلي هذه الحيلة على جميع الحراس، فمثلا طبق ميسي هذه الطريقة في الضربة الأولى من ضربات ترجيح نهائي كأس العالم، وانتبه لها لوريس ولكن متأخرا، فيدخل في هذا النوع من الركلات، ضرورة توفر ردة الفعل السريعة خاصة عند الحراس بالإضافة إلى التركيز، ومن بين العوامل التي تحدد طبيعة التسديدة هي المسافة التي أخذها اللاعب والبعد بينه وبين الكرة (قريب إلى الكرة أو بعيد عنها) وطريقة اندفاعه نحوها، ومن بين الأسباب التي تجعل ركلة الجزاء علما يُدرس، هو دراسة الحارس لطريقة تسديد لاعب ما ركلاته السابقة ونفس الشيء على اللاعب الذي يدرس طريقة تصدي حارس الخصم للكرات عموما ولركلات الجزاء خصوصا، وقد يسهل هذا على اللاعب أكثر من الحارس، لأن اللاعب يدرس حارسا واحدا فقط (ولو أصبحنا نلحظ ظاهرة أن المدرب يجهز حارس متخصص في ضربات الترجيح ويقحمه في الأشواط الإضافية)، أما الحارس من الصعب أن يضطر لدراسة طريقة تسديد كل الفريق في حالة ما إذا انتقلت المباراة لضربات الترجيح (هناك أيضا لاعبين يقحمهم المدرب في الأشواط الإضافية خصيصا لركلات الترجيح)، لذا أصبحنا نرى ظاهرة انتشرت مؤخرا وتدخل في التأثير على معنويات الحارس وهي ذهاب أحد اللاعبين ليمسك بالكرة ويتمركز داخل نقطة الجزاء بعد تصفير الحكم لركلة جزاء أثناء المباراة (عادة ما يكون المسدد الأول لركلات الجزاء في الفريق لأن الفرق غالبا ما تمتلك مسدد أول وثاني وثالث لركلات الترجيح)، ليتفاجأ الحارس بتغير مسدد الركلة في آخر لحظة، فهذه واحدة من الأساليب والألاعيب التي أصبح يستخدمها اللاعبون على حارس الفريق الخصم لكي لا يتمكن من معرفة لغز من سيسدد الركلة وحتى يتخلى عن دراسة طريقة تسديد أي لاعب، مع ضرورة التنويه بأن اللاعب قد تختلف طريقة تسديده من ركلة إلى أخرى ولا يعني بالضرورة أنه سيسدد إلى جهة واحدة، مع أنه من المعروف أن اللاعبون أصحاب القدم اليسرى يحببون التسديد إلى اليمين، أما لاعبوا القدم اليمنى إلى اليسار مع أنها ليست قاعدة ثابتة.

إن ركلات الجزاء أو ضربات الترجيح من أمتع الأشياء التي تمنح جرعة هائلة من التشويق والتوتر والحماس وخفقان القلب بالنسبة للمشجعين واللاعبين والمدربين وأفراد الطاقم الفني والإداري، لدرجة أن البعض يضطر لعدم مشاهدة الركلة، وحتى من لا يهتم كثيرا بالكرة، يجد في ركلات الجزاء سحرا خاصا ويتابع هذه الركلات خصيصا لها، لأنها أشبه بذلك الفيلم الذي تتشوق إلى معرفة بقية أحداثه وهل نهايته ستكون سعيدة أو مأساوية.

السابق
لا تعليقات
أضف تعليق
comment url