الكرة الحديثة تقدم مدربين شباب بعد افتقارها للمدربين

coaches in modern football

 لو نلحظ في آخر ثلاثة مدربين توجوا بدوري أبطال أوروبا في آخر أربع سنوات لاستنتجنا أنهم قد توجوا بها من قبل, ففي السنة المنصرمة توج بها لويس إنريكي, وهذا السيد سبق له أن توج بها من قبل عشر سنوات, ونفس الشيء بالنسبة لجوزيب غوارديولا سنة 2023 مع السيتي ومرتين مع البارصا في 2009 و2011, أما كارلو أنشيلوتي فأصبح المدرب الأكثر تتويجا بخمسة ألقاب بعدما أضاف لحصيلته لقبين في 2022 و2024, وآخر مدرب فاز بالأبطال للمرة الأولى له كان توماس توخيل مع تشيلسي في سنة 2021, هذه المعطيات تجعل سؤالا يطرح نفسه بإلحاح: هل توقفت وعجزت الكرة الحديثة عن إنتاج مدربين جدد يسيطرون على الساحة الكروية العالمية أو الأوروبية؟ هل هذه ظاهرة عالمية؟ لأنه وحسب نظرتي الضيقة فأعتقد أن السوق حاليا يفتقر للمدربين, وأي فريق أو منتخب يبحث عن مدرب كفئ سيلجأ لخيار المدرب المخضرم الذي له اسم ثقيل.

الإجابة هي نعم ولا. سأجيب لا لأن المدربين الموجودين في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا حاليا فيهم صبغة الشباب منهم فينست كومباني, وألفارو أربيلوا, وميكل أرتيتا, وبنسبة كبيرة المدرب الفائز بالأبطال هذا الموسم سيكون قد فاز بها للمرة الأولى ما عدا إذا ما كرر إنريكي السيناريو وفاز باللقب للمرة الثانية على التوالي والثالثة له, أو فاز هانزي فليك للمرة الثانية له بعد أن سبق له أن فاز باللقب مع البايرن موسم الكورونا, فمدربين مثل فينست كومباني وميكل أرتيتا يمكن أن نصنفهما على الأقل حتى الآن ضمن قائمة المدربين الشباب الذين حققوا النجاح مع أنديتهم وكسروا قاعدة المدربين المخضرمين مثل جوزيه مورينهو الذين طالت مدة توليهم كبرى الأندية, وسأجيب نعم, لأن مدربا مثل ألفارو أربيلوا لم يظهر دلالات تنبئ على نجاحه رغم أن لاعب مدريد سابقا ليست له تجارب وخبرات كثيرة سابقة وهذه من أبرز الأسباب التي يقدمها المختصون لعدم نجاح مدربين مثل تشافي هيرنانديز وأندريا بيرلو وفرانك لامبارد, ولكن مدربا مثل زين الدين زيدان فاز بثلاثة ألقاب متتالية وكان من قبل مساعدا لأنشيلوتي ولم يدرب أندية كثيرة, أما تشافي هيرنانديز فخاض تجربة قطرية مع السد طالب فيها الجميع بمنح تشافي الفرصة وأشادوا بتحويله للسد إلى فريق يطبق كرة قدم جميلة وحديثة أو ما يسمى بالتيكي تاكا, ولكن لما مدت له الفرصة ولم يحقق النجاح المرجوا مع برشلونة انهالت الإنتقادات عليه وتحججوا بأن قطر ليست إسبانيا والسد ليس برشلونة... وأنا رأيي الشخصي أن الثورة الحالية في برشلونة, تشافي هيرنانديز هو من بدأها, وكان المدبر الأساسي والأصلي لها, فدعوني أذكركم يا مشجعي البارصا أن الفريق قبل تشافي اقترب من احتلال المركز الثامن مع كومان حتى أصبحنا نظن أن ليفانتي هي من تلعب وليس برشلونة نظرا لتشارك الفريقين في نفس الألوان! إلى أن جاء تشافي وبدأ يعيد البارصا تدريجيا وشيئا فشيئا, وقفز بالفريق من المركز الثامن إلى المركز الثاني, ثم توج بالليغا, وأهّل الفريق لربع نهائي دوري أبطال أوروبا وفاز على البياسجي في حديقة الأمراء قبل أن يرتكب أراوخو خطأ فظيعا في مباراة الإياب كلف فريقه الإقصاء (نفس الشيء منطبق في الموسم الحالي مع كوبارسي في الكامب نو ضد الأتلتيكو وفي الربع نهائي أيضا), ونجد أيضا أن تشافي هو من بدأ بمنح الفرص لشبان مدرسة لاماسيا خاصة وأنه اتخذ قرارا من أشجع القرارات وهو إشراكه للموهبة الصاعدة لمين يمال في عمر الـ15 سنة, في خطوة جريئة كان من الممكن أن تعرضه لعدة انتقادات, والأمر متشابه كذلك مع تشابي ألونسو, ولكن دعوني أخبركم بأن فلورنتينو بيريز تسرع كثيرا بسماحه لقرار مغادرة ألونسو, وقلت أن الأمر متشابه مع تشافي لأن ألونسو أيضا الجميع أشاد به حينما توج بالبطولة الألمانية مع باير ليفركوزن وليس مع دورتموند وكسر السيطرة الأحادية لبايرن ميونيخ والتي دامت لسنوات (البايرن استفاد من تجربة ليفركوزن بجلب المدرب الشاب وطبق نفس الشيء مع كومباني في خطوة شجاعة وجريئة أيضا أعطت انطباع أن كومباني لا خبرة ولا تجربة له من قبل فكيف يعطى له فريق كبير مثل البايرن ولكن البايرن حتى الآن على الأقل بدأ يحصد ثمار نتائج هذا القرار فالبافاري يأكل الأخضر واليابس), ثم لما لم يحقق ألونسو النتائج المرجوة مع الملكي قالو كذلك أن ريال مدريد ليس ليفركوزن الصغير بأسماء صغيرة, وأن ريال مدريد نادي نجوم أو بتعبير آخر ناد يحكمه النجوم, وألونسو لا يعرف التعامل مع هؤلاء النجوم, ولا يكترث لهم حتى وإن كان اسمهم فينيسيوس أو مبابي وأخرجهم من أرضية الميدان, فلن يكترث لغضبهم, ولن ينظر إلى وجههم حتى, وحتى إن لم يصافحونه! وبالنسبة لي, هذه هي الطريقة الصحيحة والمثلى التي يفترض التعامل بها فلا نجم أكبر من كيان ريال مدريد وعلى الجميع احترام قرارات المدرب, أما أربيلوا فلا, بيريز أتى به خصيصا لأنه يساعف في النجوم ويلبي لهم رغباتهم, أما من الناحية الرياضية البحتة, ومن ناحية النتائج, فألونسو لم يكن بذلك السوء الذي ظهر على أربيلوا خاصة من الناحية التكتيكية, فصحيح أن ألونسو كان يفوز بـ(1-0) فقط ولكن كان يفوز, وكانت خطته التكتيكية محكمة وكان للريال هيكلا واضحا وبناءا منظما, وفاز ألونسو على برشلونة في لقاء الذهاب, وحتى لما خسر في السعودية لم يخسر بتلك السهولة, بل خسربـ(3-2), ولكن النتيجة التي قسمت ظهر بيريز وجعلته يغضب ويجلب مدربا آخرا هي نتيجة إقصاء الكأس ضد ناد من الدرجات السفلى (نوصيكم بتفادي الغضب لأن سرعة الغضب تؤدي لاتخاذ قرارات لا يحمد عقباها), ولكن هذا النادي المغمور نفسه سبب إزعاجات كثيرة لبرشلونة في الكأس أيضا ولم يتأهل البارصا إلا بشق الأنفس, بالإضافة إلى أن ريال مدريد في مرحلة تجديد وأتى بعدة أسماء جديدة لصفوفه, والنجاح لن يأتي لألونسو ولا حتى لأربيلوا بين ليلة وضحاها ولا حتى في الموسم الأول, ولكن بيريز لم يصبر وقرر أن يمشي بمدربين في موسم واحد مما يقلل وجود عامل الاستقرار في بيت الملكي.

وأيضا من بين المدربين الشباب الذين يحققون قفزة جديرة بالاهتمام هو مدرب مانشيستر يونايتد مايكل كاريك, الذي يحقق في نتائج مبهرة منذ توقيعه في اليونايتد, ويحتل المركز الثالث, وفاز على كبرى أندية البرميرليغ حاليا: مانشستر سيتي وأرسنال في عقر داره, في الوقت الذي كانت فيه النتائج أقل ما يقال عنها أنها متوسطة مع أموريم, ونجاح كاريك ليس في النتائج فقط, بل أيضا في طريقة اللعب وروح المجموعة التي أعادها والرغبة التي خلقها لدى برونو فيرنانديز والبقية, وفي خضم كل هذا تسمع أن هذا المدرب يعد مؤقتا فقط في اليونايتد ولا يزال يتعلم وأشياء من هذا القبيل, فإذا كان هذا الكلام يقال فقط لتخفيف الضغط على كاريك ولكي يقول في قرارة نفسه: "أنا أعمل, وفي حالة ما أخفقت, فأنا مجرد مدرب مؤقت ولا شيء لدي أخسره" لا بأس, أما إذا كان الكلام هذا حقيقة, فكيف إذا تعثر كاريك مرة أو مرتين ومر بفترة فراغ؟ فلا أعتقد أن له فرصة للحفاظ على منصبه في العارضة الفنية للشياطين الحمر, رغم أنه من سليل الرجال الذين صنعوا مجد المانيو في عهد فيرغسون, ولمحنا بعضا من ذلك في اليونايتد الحالية (أقول البعض لأننا لا نعلم ما تخفيه لنا الكرة في الأيام والأعوام القادمة).

إذا الإجابة على سؤالي, هل عجزت الكرة على إنجاب مدربين ناجحين جدد يستولون على السوق؟ وهل افتقار الكرة لمدربين ذوي أسهم مرتفعة جدا في السوق ظاهرة عالمية جديدة؟ إجابة معقدة جدا تتداخل فيها عدة تفاصيل ذكرناها (عالم الكرة سريع ولا يعترف إلا بالنتائج فأنت بطل اليوم ومنبوذ غدا وننسى كل ما قمت به البارحة), وتفاصيل لم نذكرها كالأموال, فلما لم يتوفر لبيريز يورغن كلوب الذي يطالب بأموال طائلة (سياسة بيريز الاقتصادية في السنوات الأخيرة تمنع ذلك فحتى مبابي استغرق الأمر مطولا لكي يمضي في الريال), اضطر بيريز لأن يلجأ لمدرب قد نعتبره مغمورا في عالم التدريب وليس له اسما ثقيلا في السوق, ولكن يمتلك جميع الشهادات, ولو قضية شهادات التدريب موضوع آخر وليس كل من يمتلك شهادة يسمى ناجحا في التدريب, فكم من مدرب مر على تشيلسي, من نجح منهم؟ ويكفي أن يوهان كرويف يوما ما قال: "أنا يوهان كرويف, من سيعطيني شهادة؟", فما قام به بيريز يجعلنا نعتقد أن السوق لا يتوفر على مدربين كثر يتهاتفون أو يتنافسون على تدريب الريال, وأيضا من بين الأشياء التي تعزز وجهة النظر المعاكسة أن هناك مدربين جدد يصنفون ضمن نخبة المدربين حاليا, هو نجاح ليونيل سكالوني في التتويج بكأس العالم 2022 مع الأرجنتين, ونجاح دي لافوينتي في التتويج مع إسبانيا بيورو 2024, ودي لافوينتي كان من المدربين الذين تدرجوا مع الفئات الشبانية لمنتخب إسبانيا وتوج معهم كذلك إلى أن وصل حاليا للأكابر, وهذا يبرز ويوضح العمل القاعدي الكبير الذي يقام في إسبانيا، ومن بين التجارب الشابة أيضا تجربة ماسكيرانو مع المنتخب الأولمبي الأرجنتيني وحاليا يدرب ميسي وألبا وسواريز وبوسكيتس في إنتر ميامي, تخيلوا!, ولنا أيضا تجربة تيري هنري مع المنتخب الفرنسي الأولمبي, كلها تجارب من الممكن أن تعد وجهة انطلاق أيضا لهذا الجيل الجديد من المدربين, وفي الأخير, أعتقد أن مسألة نجاح هؤلاء المدربين الجدد في الساحة الكروية هي مسألة منح ثقة وإعطاء فرصة وورقة بيضاء مثل التي نمنحها لمدرب كانت له مسيرة حافلة من قبل, فأنشيلوتي مثلا كم صبر عليه بيريز رغم الإخفاقات المتتالية وحتى فليك قد يدخل ضمن خانة من يُصبر عليهم من طرف لابورتا خاصة إذا ما أقصي في الأبطال ضف إلى ذلك إقصاءه في الكأس، وهذه الفرصة نمنحها خاصة إذا رأينا بوادر وملامح عمل جيد وتغير في أداء الفريق وربما نقص في تماشي النتائج.

السابق
لا تعليقات
أضف تعليق
comment url